الجصاص
359
أحكام القرآن
ما تقدمه وأن لا يرد إلى ما تقدمه إلا بدلالة ، وذلك لأنه لما استحال دخول هذا الاستثناء لرفع حكم الكلام رأسا حتى لا يثبت منه شيء وجب أن يكون مستعملا في البعض دون الكل ، فإذا وجب ذلك كان ذلك البعض الذي عمل فيه هو المتيقن دون غيره ، بمنزلة لفظ لا يصح اعتقاد العموم فيه فيكون حكمه مقصورا على الأقل المتيقن دون اعتبار لفظ العموم ، كذلك الاستثناء . ولما جاز دخول شرط مشيئة الله تعالى وسائر شروط الأيمان لرفع حكم اللفظ رأسا وجب استعماله في جميع المذكور وأن لا يخرج منه شيء إلا بدلالة . ويدل على أن الاستثناء في قوله : ( إلا الذين تابوا ) مقصور على ما يليه دون ما تقدمه ، أن قوله : ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) كل واحد منهما أمر ، وقوله : ( وأولئك هم الفاسقون ) خبر ، والاستثناء داخل عليه ، فوجب أن يكون موقوفا عليه دون رجوعه إلى الأمر ، وذلك لأن " الواو " في قوله : ( وأولئك هم الفاسقون ) للاستقبال ، إذ غير جائز أن يكون للجميع لأنه غير جائز أن ينتظم لفظ واحد الأمر والخبر ، ألا ترى أنه لا يصح جمعهما في كناية ولا في لفظ واحد ؟ ويدل عليه أنه لم يرجع إلى الحد إذا كان أمرا ، ونظيره قول القائل : " أعط زيدا درهما ، ولا تدخل الدار وفلان خارج إن شاء الله " أن مفهوم هذا الكلام رجوع الاستثناء إلى الخروج دون ما تقدم من ذكر الأمر ، كذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء في الآية لا فرق بينهما . فإن قيل : قال الله تعالى جزاء : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ) [ المائدة : 33 ] إلى قوله : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) [ المائدة : 33 ] ، ثم قال : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) [ المائدة : 34 ] ، ومعلوم أن ما تقدم في أول الآية أمر ، وقوله : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ) [ المائدة : 33 ] خبر ، فرجع الاستثناء إلى الجميع ولم يختلف حكم الخبر والأمر . قيل له : إنما جاز ذلك لأن قوله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) [ المائدة : 33 ] وإن كان أمرا في الحقيقة فإن صورته صورة الخبر ، فلما كان الجميع في صورة الخبر جاز رجوع الاستثناء إلى الجميع ، ولما كان قوله تعالى : ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) أمرا على الحقيقة ثم عطف عليه الخبر ، وجب أن لا يرجع إلى الجميع ، ومع ذلك فإنا نقول متى اختلف صيغ المعطوف بعضه على بعض لم يرجع إلا إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم مما ليس في مثل صيغته إلا بدلالة ، فإن قامت الدلالة جاز رده إليه ، وقد قامت الدلالة في آية المحاربين ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه فهو مبقي على حكمه في الأصل .